ابن كثير

26

السيرة النبوية

ووضع مسواكه في فيه ثم خرج على الناس ، فقالوا له : ذا نواس أرطب أم يباس ؟ فقال ؟ ل نخماس استرطبان لا باس ( 1 ) فنظروا إلى الكوة فإذا رأس لخنيعة مقطوع ، فخرجوا في أثر ذي نواس حتى أدركوه ، فقالوا : ما ينبغي أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث . فملكوه عليهم ، واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن ، فكان آخر ملوك حمير ، وتسمى يوسف ، فأقام في ملكه زمانا ، وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام على الإنجيل ، أهل فضل واستقامة من أهل دينهم ، لهم رأس يقال له عبد الله ابن الثامر . ثم ذكر ابن إسحاق سبب دخول أهل نجران في دين النصارى ، وأن ذلك كان على يدي رجل يقال له فيميون ، كان من عباد النصارى بأطراف الشام ، وكان مجاب الدعوة ، وصحبه رجل يقال له صالح ، فكانا يتعبدان يوم الأحد ويعمل فيميون بقية الجمعة في البناء ، وكان يدعو للمرضى والزمني وأهل العاهات فيشفون ، ثم استأسره وصاحبه بعض الاعراب فباعوهما بنجران ، فكان الذي اشترى فيميون يراه إذا قام في مصلاه بالبيت الذي هو فيه في الليل يمتلئ عليه البيت نورا ، فأعجبه ذلك من أمره . وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة يعلقون عليها حلي نسائهم ويعكفون عندها ، فقال فيميون لسيده : أرأيت إن دعوت الله على هذه الشجرة فهلكت أتعلمون أن الذي أنتم عليه باطل ؟ قال : نعم . فجمع له أهل نجران ، وقام فيميون إلى مصلاه فدعا الله عليها ، فأرسل الله عليها قاصفا فجعفها ( 2 ) من أصلها ورماها إلى الأرض ، فاتبعه أهل نجران على

--> ( 1 ) نخماس الرأس بلغة حمير . ومعنى استرطبان : أخذته النار ، وهي كلمة فارسية . ( 2 ) جعفها : اقتلعها .